لا تلتئم دائرة جزائيّة في كلّ محاكم البلاد تقريبا إلا وتبتّ في قضية أو عدّة قضايا تتعلق باستهلاك ومسك أو ترويج مواد مخدّرة
ولا يمرّ يوم واحد إلا وتطالعنا صحيفة يومية على الأقلّ بتغطية لمحاكمة مواطنين متهمين بالتهم المذكورة سابقا
أو الكشف عن شبكة ترويج مخدرات. وما يلاحظ هو أن الأغلبيّة الساحقة من المحاكمين هم من الشباب منهم بعض الفتيات وينحدرون من كلّ الطبقات الاجتماعيّة لكنّ أغلب المحاكمين ينتمون إلى الفئات الشعبيّة ومنهم العاطل عن العمل.
القليل من المحاكمين ينتمون إلى سلك المروّجين وحتى هؤلاء فهم صغار المروّجين أما كبارهم فهم يواصلون ممارسة تجارتهم في أمان إذا لم تتوصّل المصالح المختصة إلى الإيقاع بهم
استفحال ظاهرة استهلاك المخدرات في بلادنا وخاصّة من طرف الشباب يطرح أكثر من سؤال مشروع حول مصادر تمويل السوق التونسيّة بالمواد المخدّرة، وتحديد هويّة التجّار الكبار و سبب عجز المصالح المختصّة عن مراقبة تسرّب هذه المواد القاتلة عبر الحدود البحريّة والجويّة والبريّة للبلاد
لكن هذه الأسئلة رغم وجاهتها لا ترتقي خلال العقدين الأخيرين بالخصوص إلى الوعي بخطورة هذه الظاهرة وتأثيراتها على معنويات شبابنا وصحّته
فهناك من يستهلك المخدّرات وهم الأغلبيّة للهروب من واقعه المرّ واقع البطالة الطويلة الأمد، أو واقع الاخفاق المدرسي أو العاطفي أو التمزّق العائلي. وهناك من يستهلك المخدرات بسبب الفراغ الذي يعيشه وانعدام الفضاءات الخلاقة والابداعيّة الكامنة فيه من الانفجار إن توفّرت له
وهناك من ينخرط في الاستهلاك لأنّ المخدّرات تمكّنه من الترويح عن نفسه والحال تصيّره عبدا لها تفتك بقدراته البدنيّة والذهنيّة
دوافع استهلاك المخدّرات وإن تعدّدت هي أسباب اجتماعيّة، والاستهلاك يعكس تردي الحالة المعنويّة لدى فئة من شباب بلادنا وانعدام الأمل والتفاؤل بالمستقبل طالما لم يتوفّر له الشغل القارّ والحافظ لإنسانيته وكرامته، وطالما توصد أمامه منابر التعبير الحرّ والنشاط الجمعوي المستقلّ ولم تتطوّر فضاءات النشاط الثقافي والفكري الحرّ وطالما لم يجد المختصين في الإحاطة به عند تعرّضه إلى أزمات يأخذون بيده ويساعدونه على تجاوزها
توفير كل هذه الشروط التي من شأنها أن تحدّ من استهلاك المخدرات وربما القضاء عليه هي مسؤولية السلط العموميّة بالدرجة الأولى
وكلّ تأخّر في معالجة المسألة وكلّ تأخير في اتّخاذ ما يجب اتّخاذه من إجراءات ضروريّة تجاه الشباب سوف لن يدفع إلا بمزيد من الشباب المحبط نحو التآكل بدنيا ومعنويا بالمواد المخدّرة أو الانتحار في زوارق الموت المتّجهة نحو الضفّة الشماليّة للبحر المتوسّط بحثا عن العمل و"الحرية" ومستقبل أفضل. ويجب أن ننقذ شبابنا وهو أمل البلاد جدير بواقع أفضل يعيد الأمل لديه ويخرجه من واقع الاحباط والاقصاء والتهميش الذي يعاني منه. إذ لا مستقبل لشعب وشبابه محبط أو يسعى للهروب من بلده لأن هذا الأخير بدا عاجزا عن توفير الحدّ الأدنى الذي يكفل له الكرامة والاستقرار والحاجيات الأساسيّة